... اضافة الى السلة

تم اضافة المنتج الى سلة الشراء

Questions And Fatwas image

هل يجوز التعامل مع البنوك الربوية لمن يعتقد شبهة التعامل مع البنوك الإسلامية أو حرمته

 

هل يجوز التعامل مع البنوك الربوية لمن يعتقد شبهة التعامل مع البنوك الإسلامية أو حرمته

هناك من يُساوي بين البنوك الإسلامية والبنوك الربوية من حيث الحكمُ، ويُنكرُ الفروقَ بين النوعين، وربما اقترنَ بذلك –صراحة أو ضمناً- الدعوة إلى التعامل مع البنوك الربوية عند الحاجة، بزعم أنها مثل البنوك الإسلامية!

وهذا الطرح مردودٌ جملة وتفصيلاً، لعدة اعتباراتٍ:

- إن التمويل الإسلامي يقوم على نظرية متميزة عن التمويل الربوي، بدأ التنظير لها منذ عقود، وتتابعت الكتابات فيها من كبار الفقهاء والاقتصاديين. وهناك تجرية للبنوك الإسلامية قاربت خمسة عقود من الزمان أو يزيد. وتطورت مع هذه التجربة أعراف في التعامل المصرفي الإسلامي ومعايير شرعية صادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، لضبط معاملات المصارف الإسلامية وفق الشريعة، وبما يراعي الواقع وصعوباته وتعقيداته، ويضمن لها الاستمرارية والمنافسة. وهي معايير قام عليها علماء كبار، وبذلت فيها جهود كبيرة، خلال سنين طويلة، وتلقى قبولاً واسعاً في الأوساط العلمية والبنوك الإسلامية. ويراقب على المصارف الإسلامية ومؤسسات التمويل الإسلامي هيئات شرعية مختصة، تبذل جهوداً كبيرة في متابعة معاملاتها وعقودها وتعاملاتها، والتأكد من انضباطها بالمعايير الشرعية للصيرفة الإسلامية.

- إن البنوك الإسلامية ومؤسسات التمويل الإسلامي، تمثل اجتهاداً جماعياً معاصراً، وتجربة رائدة، لا تزال في تطور دائم منذ عقود. وليست هي اجتهاداً فردياً يمكن إلغاؤه بفتاوى فردية هنا أو هناك.

- إن المسلم العادي مأمور من الله تعالى باتباع العلماء وفقهاء الشريعة، وهو معذورٌ باتباعهم، ولو تضمن اجتهادهم أخطاء لم تظهر لهم، وقد قال الله تعالى: "ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمله الذين يستنبطونه منهم"، وقال: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".

والذين يفتون بمشروعية صيغ التمويل الإسلامي المعاصرة المجامع الفقهية ومعظم علماء المسلمين في هذا العصر وأكثرُ فقهائهم. فلا شك أن المسلم العادي يكون معذوراً باتباعهم؛ لأنه فعلَ ما أُمِرَ به من اتباعهم.

- إذا نظرنا إلى بعض الآراء المعارضة لصيغ التمويل الإسلامي وطرق تطبيقها، في مقابل المجامع الفقهية والأطر العلمية والفقهية الجماعية التي أجازت هذه الصيغ -فغاية ما يمكن أن توصف به هذه الصيغ أنها مختلفٌ فيها بين العلماء، مع أن القائلين بمشروعيتها أكثر عدداً، وفي عدادهم علماء كبار على مستوى العالم الإسلامي.

ورأي المخالِفِ في الأمور الاجتهادية التي تحتملها النصوص والأدلة –مراعىً. وقد نص العلماء على أنه لا يُنقَضُ حكمُ الحاكم في الأمور الاجتهادية. بل لقد جعل المالكية -لمراعاة آراء مخالفيهم- أصلاً من أصول الاجتهاد عندهم، هو أصل "مراعاة الخلاف".

فلا يجوز الإنكارُ في مواضع الاجتهاد والخلاف، في إطار ما تحتمله أدلة الشرع ونصوصه، كما لا يجوز نهي العامة عن اتباعهم اجتهاد علماء يثقون برأيهم المخالفِ لرأي علماء آخرين. ما دام ذلك الاجتهاد في دائرة الاجتهاد الذي تحتمله الأدلة والنصوص الشرعية. وبخاصة إذا كان اجتهاداً يؤيده أكثر الفقهاء المعاصرين والمجامعُ الفقهية، كما هو حال التمويل الإسلامي المعاصر. يقولُ سفيانُ الثوري: "إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ الَّذِي قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَأَنْتَ تَرَى غَيْرَهُ -فَلَا تَنْهَهُ" (حلية الأولياء 6/368). وقال الإمام السرخسي: "لَا بَأْسَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مُبَاشَرَةِ مَا يَعْتَقِدُ جَوَازَهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ تَرْكًا لِلِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ"، (المبسوط 23/13).

- على تسليم أن مؤسسات التمويل الإسلامي تقوم على اجتهاد خطأٍ، فإن هذا لا يمكن -بحال من الأحوال- أن يسوّغَ ارتكاب المحرم المتفق على تحريمه، وهو الربا الذي تجريه مؤسسات التمويل الربوي وبنوكه، المتفق على ربويتها وتحريمها عند عامة الفقهاء المعاصرين.

ولا ينازع أحدٌ في أن المتفق على حرمته، لا يمكنُ مساواته بالمختلف في حكمه، حتى عند من يعتقد حرمة المختلف فيه، وخطأ الاجتهاد المبيح له.

6- إن الفتوى السليمة من حيث الأصول الشرعية، يجب أن يُنظرَ في مآلاتها في التطبيق. فإذا كانت الفتوى بتحريم مؤسسات التمويل الإسلامي وصيغها، تُفضي إلى مآلاتٍ فاسدةٍ بتوجيه الناس نحو ما لا يُماري أحدٌ في حرمته -وهي مؤسسات التمويل الربوي التي لا ينازِعُ أحدٌ في ربويتها- أو توجههم إليه، فيجب أن يُعادَ النظرُ في تلك الفتوى. وفي هذا يقول الشاطبي: "النَّظَرُ فِي مَآلَاتِ الْأَفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا، كَانَتِ الْأَفْعَالُ مُوَافِقَةً أَوْ مُخَالِفَةً، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يَحْكُمُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْمُكَلَّفِينَ بِالْإِقْدَامِ أَوْ بِالْإِحْجَامِ، إِلَّا بَعْدَ نَظَرِهِ إِلَى مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْفِعْلُ: مَشْرُوعًا لِمَصْلَحَةٍ فِيهِ تُسْتَجْلَبُ، أَوْ لِمَفْسَدَةٍ تُدْرَأُ، وَلَكِنْ لَهُ مَآلٌ عَلَى خِلَافِ مَا قُصِدَ فِيهِ. وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَشْرُوعٍ لِمَفْسَدَةٍ تَنْشَأُ عَنْهُ أَوْ مَصْلَحَةٍ تَنْدَفِعُ بِهِ، وَلَكِنْ لَهُ مَآلٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. فَإِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الْأَوَّلِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ، فَرُبَّمَا أَدَّى اسْتِجْلَابُ الْمَصْلَحَةِ فِيهِ إِلَى الْمَفْسَدَةِ تُسَاوِي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هَذَا مَانِعًا مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِالْمَشْرُوعِيَّةِ. وَكَذَلِكَ إِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي الثَّانِي بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةٍ، رُبَّمَا أَدَّى اسْتِدْفَاعُ الْمَفْسَدَةِ إِلَى مَفْسَدَةٍ تُسَاوِي أَوْ تَزِيدُ، فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ بِعَدَمِ الْمَشْرُوعِيَّةِ. وَهُوَ مَجَالٌ لِلْمُجْتَهِدِ صَعْبُ الْمَوْرِدِ، إِلَّا أَنَّهُ عَذْبُ الْمَذَاقِ مَحْمُودُ الْغَبِّ، جَارٍ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ". (الموافقات 5/177-178).

- ختاماً: إن البنوك الإسلامية تبقى اجتهاداً إسلامياً معاصراً من علماء غيورين على الدين، راعوا فيها ما أمكنهم أحكام الشرع، لتكون بديلاً ممكناً عن التمويل الربوي، يسد حاجات الناس للتمويل، في ضوء واقع صعب، تحكمه نُظُمٌ رأسمالية، وفي ظل صعوبات كثيرة، ومعيقات كبيرة حكمتهم ولا تزال. إنها تجربة لا تدعي الكمال، ولا تخلو من القصور والعيوب والانتكاسات أحياناً، لكنها في تطور دائم واتساع، وتخضع للنقد المستمر.

وإن مراعاة الواقع في الاجتهاد، أمرٌ مقرر شرعاً، ولا يجوز محاكمة أي اجتهاد اسلامي معاصر في ضوء نموذج مثالي يتم القياس عليه، والتحاكم إليه، مع الإغضاء عن كل المعيقات والصعوبات المعاصرة، التي يؤدي تجاهلها إلى إجهاض أي تجربة إسلامية.

وأصول مراعاة الواقع تستندُ إلى نصوص الشرعية ومقاصدها، والتي راعت حاجات الناس وظروفهم الخاصة، كما ترجعُ إلى منهج التشريع في التدرج في تقرير الأحكام.

ومهما كانت المآخذ أو الانتقادات على تجرية البنوك الإسلامية، فيجب أن تكون بغرض تطويرها وتحسينها وتجاوز قصورها، وإبرازها بديلاً عن التمويل الربوي. ولا يجوز أن تُفضي إلى إجهاضها أو صرف الناس عنها، أو مساواتها بالتمويل الربوي المجمع على تحريمه، أو توجيه الناس نحو التمويل الربوي، بزعم أنه لا فارق بينه وبين التمويل الإسلامي!.